الشيخ محمد رشيد رضا
64
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 119 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ * * * هذه الآيات تتمة ما تقدم من موضوع توبة المتخلفين عن غزوة تبوك ، أخرت على سنة القرآن في تفريق الآيات في الموضوع الواحد لأنه أدنى أن لا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها ، وأقوى في تجديد الذكرى والتأثير في النفس كما بيناه مرارا ، وهو مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين وهو مما يتاب منه لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ هذا خبر مؤكد بلام القسم على حرف التحقيق بين به تعالى فضل عطفه على نبيه وأصحابه المؤمنين الصادقين من المهاجرين والأنصار وتجاوزه عن هفواتهم في هذه الغزوة وفي غيرها ، لاستغراقها في حسناتهم الكثيرة على كونهم لا يصرون على شيء منها ، وانما كانت هفواتهم هذه مقتضى الطباع البشرية واجتهاد الرأي فيما لم يبينه اللّه تعالى لهم بيانا قطعيا يعد مخالفه عاصيا . وقد بينا في تفسير الآية ( 104 ) أن للتوبة درجات تختلف باختلاف طبقات التوابين الرجاعين إلى اللّه من كل اعراض عنه . وتوبته تعالى على عباده لها معنيان عطفه عليهم وهذا أعلاهما - وتوفيقهم للتوبة وقبولها منهم ، وانما يتوبون من ذنب ، وما كل ذنب معصية لله عز وجل ، وقد فسر ابن عباس التوبة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هنا بقوله تعالى في سياق هذه الغزوة ( 43 عَفَا اللَّهُ عَنْكَ - لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ؟ ) الآية وحققنا في تفسيرها مسألة ذنوب الأنبياء وكونها من الاجتهاد الذي لم يقرهم اللّه عليه لان غيره خير منه « 1 » وأما المهاجرون والأنصار ( رض ) وهم خلص المؤمنين الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ فمنهم من كان ذنبه التثاقل في الخروج حتى ورد الامر الحتم فيه والتوبيخ على التثاقل إلى الأرض ، ومنهم من كان ذنبهم السماع للمنافقين فيما كانوا يبغون من فتنة المؤمنين بالقوة والاستدراك ، وبالفعل
--> ( 1 ) راجع ص 464 ج 10 تفسير